بين الفيشاوي والأزهر.. حكايات نجيب محفوظ اليومية
كتب نجيب محفوظ رواياته من الناس وإلى الناس، مستوحياً أحداثها من القاهرة التي عاشها بنفسه، بين أزقتها وحاراتها، من السكرية إلى الحسين، مرورًا بالقصرين وقصر الشوق.
لم يكن محفوظ كاتبًا يجلس في مكتبه ليصوغ خياله فحسب، بل اختبر حياة شخصياته واختلط بها، ما أكسب رواياته الواقعية أصالتها وتميزها.
كان نجيب محفوظ يعتز بعالمه الخاص، ويحرص على الجلوس مع الأصدقاء في المقاهي التي شكلت ملتقى الأدباء والفنانين ورجال الفكر، من بينها مقهى الفيشاوي الذي عاش فيه أجواء القاهرة وروحها. صباحًا، كان يعبر نهر المدينة متجهًا نحو مقهى «أبو الهول»، يقرأ الصحف والمجلات برفقة فنجان قهوة وسيجارتين، دون الحديث مع أحد، في عزوف كامل عن الكلام.
في الصيف، كان نجيب محفوظ جزءًا من شلة الأدباء التي تجتمع في مقهى «بترو» بالإسكندرية، مع أسماء مثل توفيق الحكيم وثروت أباظة، ويستمر السمر الثقافي إلى ساعات متأخرة. أما في ليالي رمضان، فكان يتجول بين الأزهر والحسين، ليصل إلى مقهى الفيشاوي، ويستمتع بحكايات المدينة والناس.
كانت تفاصيل الحياة اليومية في الحارة تلهمه، مثل قصة توحيدة التي أصبحت أول موظفة في الحارة، وكان نجيب يراقبها بحذر واهتمام، متأثرًا بما يراه من تفاعل الناس معها، مرددًا في نفسه: «يا خسارة الرجال».
أما ليالي الصيف على سطح المنزل، فقد كانت ملهمة له، حيث يفرش الحصيرة مع أصدقائه تحت ضوء النجوم والقمر، وتملأ أصوات القطط والدجاج والضيوف من الجيران المكان، ويشاركهم بالغناء، لتصبح الموسيقى جزءًا من حياته اليومية وهوايته المفضلة.
ولد نجيب محفوظ في 11 ديسمبر 1911، واسمه الكامل نجيب محفوظ عبد العزيز إبراهيم أحمد الباشا، ويعد أول أديب عربي يحصل على جائزة نوبل في الأدب. كتب منذ ثلاثينيات القرن العشرين وحتى 2004، وجميع رواياته تدور أحداثها في مصر، مع تكرار حضور الحارة كمجتمع مصغر يعكس العالم. من أبرز أعماله: الثلاثية، وأولاد حارتنا، ويصنف أدبه ضمن الأدب الواقعي الذي يطرح مواضيع وجودية، وقد تحولت العديد من رواياته إلى أفلام ومسلسلات سينمائية وتلفزيونية.
