الخميس 4 يونيو 2026 02:37 صـ 17 ذو الحجة 1447 هـ
دندنة نيوز
×

سامح مهران في مهرجان المسرح العربي: لا مسرح حيّ بلا حرية ولا إبداع معزول عن الناس

الجمعة 9 يناير 2026 05:45 مـ 20 رجب 1447 هـ
د. سامح مهران
د. سامح مهران

تواصلت المؤتمرات الصحفية ضمن فعاليات الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي، حيث عُقد اليوم مؤتمر صحفي خاص بالدكتور سامح مهران، صاحب كلمة اليوم العربي للمسرح لهذا العام، بحضور المخرج غنام غنام، مدير الإعلام والتدريب بالهيئة العربية للمسرح.

وأكد غنام غنام أن رسالة اليوم العربي للمسرح التي يلقيها الدكتور سامح مهران تمثل خلاصة تجربة معرفية وإنسانية ممتدة، وتتوجه إلى المسرحيين في العالم العربي من المحيط إلى الخليج، مشيرًا إلى أن اختيار مهران يضعه في مصاف الأسماء الكبرى التي كتبت رسائل اليوم العربي للمسرح منذ انطلاقها عام 2008، وهي رسائل شكّلت محطات إرشادية ساهمت في قراءة الواقع المسرحي العربي وفهم تحوّلاته.

ووصف غنام مهران بأنه مسرحي يمتلك رؤية مزدوجة، يقف بوعي على الأرض، بينما يستشرف أفقًا ثقافيًا أوسع، قادرًا على رؤية ما قد يغيب عن الآخرين، ومتماسكًا بين الواقع والحلم.

من جانبه، قال الدكتور سامح مهران إننا نعيش منذ قرون طويلة داخل دائرة من الإجابات الجاهزة، دون امتلاك الجرأة الكافية لطرح أسئلة مختلفة، معتبرًا أن الأزمة الحقيقية لا تكمن في ندرة الأفكار، بل في غياب حرية التفكير، وحرية الاعتقاد، بل وحتى حرية الخطأ، مؤكدًا أن الإبداع لا ينمو إلا في مناخ من الحرية، وأن تراجعها يعني بالضرورة تراجع الفعل الإبداعي.
وأشار مهران إلى أننا نعيش حالة من التشتت المعرفي في ظل هيمنة ثقافة السوشيال ميديا وتدفق المعلومات السريع، على حساب إنتاج المعرفة، وهو ما يخلق تشويشًا إدراكيًا متزايدًا، يتضاعف مع كثرة القنوات والمنصات، ويقوّض القدرة على بناء وعي متماسك أو موقف نقدي واضح، سواء كان ذلك مقصودًا أو غير مقصود.
وأكد أن وسائل التواصل الاجتماعي تحولت في كثير من الأحيان من أدوات للتواصل إلى أدوات للتفتيت وإشاعة النميمة وتغذية الاحتقان، مشددًا على أن الخروج من هذا المأزق لا يكون إلا بالعودة إلى مصادر المعرفة الجادة، وفي مقدمتها مراكز الأبحاث والدراسات العميقة التي تقدم فهمًا مركبًا للواقع.
وحذر مهران من التعامل مع الغرب بوصفه كتلة واحدة، معتبرًا ذلك خطأً معرفيًا جسيمًا، موضحًا أن الغرب منظومة شديدة التعقيد تضم مراكز أبحاث وقوى متعددة ونقاط قوة وضعف، وأن فهمها يتطلب بحثًا علميًا جادًا لا شعارات عامة، مؤكدًا أن المعرفة متاحة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في السعي إليها وبناء وعي نقدي قادر على التمييز.
وفي حديثه عن المسرح، شدد مهران على أن أي عمل مسرحي جاد لا يمكن فصله عن دراسة السياقات الاجتماعية والتاريخية للمكان الذي ينتمي إليه، مؤكدًا أن لكل محافظة، بل ولكل مساحة، خصوصيتها التي يجب أن تكون موضوعًا للبحث، لا مجرد خلفية شكلية.
وأوضح أن الإخراج المسرحي فعل معرفي في المقام الأول، قائم على التحليل والدراسة والرؤية، وليس مجرد ممارسة تقنية، مشيرًا إلى أن تقديم الشخصيات التاريخية – مثل محمد علي – غالبًا ما شابه التبسيط والاختزال، في حين أن القراءة الدقيقة للسياق كانت كفيلة بكشف تفاصيل معمارية وبصرية ودلالية تصنع المعنى قبل الشكل.
وانتقد مهران الاعتماد المفرط على التقنيات دون وعي بكيفية توظيفها، محذرًا من إخراج استعراضي تتحول فيه الإضاءة والحركة إلى غاية في ذاتها، بدل أن تكون أدوات تعبير، كما انتقد غياب الاطلاع الجاد على تجارب مسرحية عربية وعالمية مهمة، مؤكدًا أن وهم الاكتفاء الذاتي يمثل خطرًا حقيقيًا على الفنان.
وشدد على أن المسرح، مثل المعرفة، يقوم على التعلم المستمر، وأن من يتصور أنه بلغ المعرفة النهائية يكون قد غادر فعليًا دائرة الإبداع، مؤكدًا أن طريق التعلم مسار مفتوح لا محطة نهائية له.
وأشار إلى أن أزمة المسرح لا تتعلق بالمهرجانات ذاتها، بل بمدى ارتباطها الحقيقي بالمجتمع، مؤكدًا أن المسرح لا يمكن أن ينعزل عن قضايا الناس، خاصة في اللحظات التاريخية الحرجة، كما انتقد بعض الورش التي تحولت من فعل تدريبي إلى علاقات شكلية، دون أثر معرفي حقيقي.
وتوقف مهران عند أزمة الفضاءات والتجهيزات التقنية، معتبرًا أن استيراد نماذج مسرحية لا تتوافر لها الإمكانات المحلية يطرح تساؤلات جوهرية حول جدوى هذا الاستنساخ، كما طرح سؤالًا محوريًا حول وجود جمهور حقيقي للمسرح، وهل نمتلك أدوات قياس لهذا الجمهور أم نفترض وجوده افتراضًا.
وأكد أن ثقافة الاختلاف شرط أساسي لأي حراك مسرحي صحي، داعيًا إلى نقاشات نقدية حقيقية حول العروض، باعتبار الاختلاف دليل حياة وتفاعل، لا علامة رفض، محذرًا من غياب الفرز النقدي وتكديس المضامين دون وعي، لما يحمله ذلك من مخاطر التضليل الثقافي والاستلاب.
وفي ختام المؤتمر، تحدث الدكتور محمد الشافعي عن تجربته القريبة مع سامح مهران، مشيدًا بانضباطه الصارم واجتهاده اليومي، رغم مكانته وخبرته الطويلة، معتبرًا هذا السلوك نموذجًا ملهمًا للأجيال الأصغر، ودليلًا على أن العمل الفكري الحقيقي لا يتوقف عند لحظة إنجاز، بل يقوم على المراجعة والتطوير المستمرين.