من دار الأوبرا إلى العالم.. سامح مهران يعلن المسرح ساحة للدفاع عن الحرية
أكد الدكتور سامح مهران، صاحب كلمة اليوم العربي للمسرح لهذا العام، أن المسرح يظل مرآة عصره ونتاجًا حيًا لسياقاته السياسية والمعرفية والاجتماعية، مشددًا على أن علاقته بالسلطة والمعرفة ليست طارئة، بل جزء أصيل من جوهر الفعل المسرحي ذاته.
وجاء ذلك خلال كلمته في حفل افتتاح الدورة السادسة عشرة من مهرجان المسرح العربي، تزامنًا مع العاشر من يناير، حيث أوضح أن المسرح يؤدي دورًا نقديًا فاعلًا عبر تفكيك الخطابات السائدة وكشف البُنى الخفية للسلطة التي تصنع ما نعتبره «معرفة». وشبّه المسرح بالفلسفة، بوصفه ممارسة تقاوم المسلّمات وتهزّ البداهات، بما يتيح للإنسان أن يعرف ذاته ويمارس حريته حتى في أكثر الظروف قهرًا.
وتوقف مهران عند ملامح العالم المعاصر، معتبرًا أن الإنسان بات معزولًا داخل عوالم افتراضية فرضتها تقنيات الاتصال الحديثة، ما أدى إلى حالة من الاستلاب الجماعي، وانقطاع الروابط الاجتماعية، وتراجع الفعل التغييري الحقيقي. وحذّر من أن الخطر الأكبر لا يتمثل في الدمار المباشر، بل في التحول البطيء للإنسان إلى كائن «ما بعد بشري»، في ظل التطورات المتسارعة في مجالات الهندسة الوراثية والأدوية العصبية والتقنيات البيوتكنولوجية، وهو ما يهدد مبدأ المساواة ويفتح الباب أمام مجتمعات طبقية بيولوجيًا.
وأشار إلى أن الزرعات العصبية، والواجهات الدماغية الحاسوبية، والتكامل المتزايد بين الذكاء الاصطناعي والجهاز العصبي، تطرح أسئلة جوهرية حول حرية الإنسان وإرادته، في ظل احتمالات التحكم السلوكي والعقلي، وتحويل الفرد إلى كيان مُدار عن بُعد، فاقد لسيادته الداخلية.
وأكد مهران أن التقدم العلمي، رغم إنجازاته، ساهم في تعاظم مركزية السلطة، بما يهدد استقلال الفرد ويقوض قدرته على الإبداع، محذرًا من أن المجتمعات فائقة التنظيم قد تتحول إلى بيئات طاردة للخيال والاختلاف. كما لفت إلى أن فيض المعلومات وسرعة تداولها في الفضاء الرقمي أدّيا إلى تشتيت الوعي، وتراجع التفكير النقدي، وهيمنة الخطابات السطحية والمعتقدات الزائفة، ما خلق أزمة إدراكية تهدد القدرة على التمييز بين الحقيقة والوهم.
وشدد صاحب كلمة اليوم العربي للمسرح على أن هذه الفوضى المعرفية تُحمّل المسرح مسؤولية أخلاقية مضاعفة، معتبرًا أن أي تقدم علمي لا يكتمل إلا بإطار أخلاقي يحكمه، لا أن يُترك لآليات السوق أو لمنطق العلم المجرد.
وتناول مهران العلاقة الملتبسة بين الحداثة والموروث في المجتمعات العربية، متسائلًا عمّا إذا كنا مجرد ناقلين للتراث أم فاعلين في إعادة إنتاجه برؤية معاصرة. وأكد أن الأزمة لا تكمن في الموروث ذاته، بل في أدلجته واستخدامه كأداة للهيمنة والسيطرة على الوعي والإبداع، داعيًا إلى تجاوز صراعات الماضي، وتبني مفهوم التعدد بوصفه خيارًا وجوديًا يضمن التوازن بين الانتماء والتجديد.
كما تطرق إلى جوهر التوترات التي تُغذي الفعل المسرحي، بين الذاكرة النموذجية والذاكرة الحرفية، وبين الذات الثابتة والذات القابلة للتحول، وبين شعريات الامتثال وشعريات الإزعاج القائمة على اللعب والابتكار والتفاعل الحي مع الجمهور، مؤكدًا أن المسرح حدث متغير لا يُعاد إنتاجه بالصورة ذاتها.
وأشار كذلك إلى التوتر بين الخصوصيات المحلية وضغوط العولمة التي أعادت تعريف الثقافة والهوية، وحوّلت الإنسان إلى مستهلك دائم خاضع للمراقبة الاقتصادية والسلوكية، فضلًا عن العلاقة الإشكالية بين القانون والعدالة، حيث لا يعكس القانون بالضرورة منطق العدالة، بل سلطة المؤسسة.
واختتم الدكتور سامح مهران كلمته بالتأكيد على أن القوة الأخلاقية للمسرح تنبع من قدرته على التأثير المتبادل بين الإنسان والعمل الفني، معتبرًا أن التساؤل الدائم حول أنماط الحياة لا يستهدف الفرد وحده، بل يشمل المجتمع والبيئة والمناخ، ومن «الأنا» يتشكل فضاء «النحن» القابل دومًا لإعادة التعريف. ووجّه في ختام حديثه الشكر للهيئة العربية للمسرح ومجلس أمنائها، مؤكدًا أن المسرح سيظل فضاءً حرًا لمساءلة العالم، والدفاع عن الوعي والحرية والجمال.
