جائزة تونسية ونصوص مصرية.. مهرجان المسرح العربي يختتم دورته بروح المشاركة والاحتفاء بالجميع
في ختام دورته السادسة عشرة بالقاهرة، قدّم مهرجان المسرح العربي نموذجًا إنسانيًا وثقافيًا لافتًا، حين احتضن مسرحيي الوطن العربي بروح المشاركة لا المنافسة فقط، مُعيدًا إحياء تقليد منح شهادات مشاركة لجميع العروض المتنافسة، في لفتة تحمل تقديرًا حقيقيًا للجهد الإبداعي، وتؤكد أن الوقوف على خشبة المسرح في حد ذاته إنجاز يستحق الاحتفاء.
هذا التقليد، الذي غاب طويلًا عن مهرجانات المسرح والسينما، لم يكن مجرد إجراء شكلي، بل رسالة دعم لكل الفرق المشاركة، خاصة في ظل ظروف عرض استثنائية، حيث واجه الفنانون الجمهور ولجنة التحكيم بعروض تُقدَّم «على الهواء مباشرة»، دون بروفات مسبقة على نفس المسارح، ما وضعهم أمام تحديات تقنية وفنية كبيرة، زادت من رهبة اللحظة، لكنها في الوقت ذاته منحت العروض صدقًا وسحرًا خاصين.
إدارة المهرجان نجحت بذكاء في تحويل حفل الختام إلى مساحة فرح جماعي، حين وُجّهت التحية لكل العروض دون استثناء، في دعوة واضحة لمهرجانات أخرى – وعلى رأسها المهرجان القومي للمسرح والمهرجان التجريبي – لإعادة الاعتبار لهذا النهج الداعم لصنّاع المسرح.
وضمّت الدورة السادسة عشرة 14 عرضًا من مصر، تونس، المغرب، الكويت، العراق، الأردن، الإمارات، لبنان وقطر، عكست جميعها هموم الإنسان العربي المعاصر، من أزمات اقتصادية خانقة، وحروب تفتك بالعائلات، إلى قضايا الهوية، وأسئلة الحرية، ومعاناة النساء في مواجهة القيود الاجتماعية.
تنوعت العروض بين رؤى إنسانية وجمالية مختلفة؛ من المغرب جاء عرض «مواطن اقتصادي» ليقدّم الإنسان كضحية لآلة الرأسمالية، ومن العراق «مأتم السيد الوالد» الذي حوّل طقوس العزاء إلى مواجهة مؤلمة مع الذاكرة الجمعية. أما مصر فحضرت بعرض «كارمن»، في قراءة عربية لأسطورة عالمية، تضع المرأة في قلب صراعها مع المجتمع.
وقدّمت تونس مجموعة من العروض اللافتة، من بينها «كيما اليوم» و«جاكرندا» و«الهاربات»، الأخير الذي اقتنص الجائزة الكبرى للمهرجان، بعدما عبّر بجرأة عن رحلة نساء يبحثن عن الخلاص والتحرر. كما شاركت قطر بـ«الساعة التاسعة»، ولبنان بـ«بكنك على خطوط التماس»، والكويت بـ«من زاوية أخرى»، والمغرب بـ«Windows F»، والعراق بـ«طلاق مقدس»، والإمارات بـ«بابا»، والأردن بـ«فريجيدير»، في فسيفساء مسرحية غنية بالرؤى والأساليب.
ولم تقتصر إنجازات الختام على العروض فقط، إذ أُعلن فوز ثلاثة كتّاب مصريين بجائزة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي للنصوص المسرحية، في تأكيد جديد على حيوية الكتابة الدرامية المصرية وقدرتها على تغذية مستقبل المسرح العربي.
أما تتويج عرض «الهاربات» التونسي بالجائزة الكبرى، فجاء تتويجًا مستحقًا لقوة طرحه وإنسانيته، بإشراف لجنة تحكيم رفيعة المستوى ترأسها الفنان الفلسطيني كامل الباشا، وضمّت نخبة من المسرحيين العرب من السودان، البحرين، سوريا، سلطنة عمان، وليبيا.
هكذا أسدل مهرجان المسرح العربي ستاره، بجائزة تونسية ونصوص مصرية، لكن الأهم… بروح عربية واحدة أكدت أن المسرح ما زال مساحة للصدق، والمواجهة، والاحتفاء بالحلم الإنساني.
